|
المسلمون في السويد بعيدون عن
أن يكونوا الأكثر فقرا في أوروبا.. لكنهم بين الأكثر عزلة كريستوفر كالدويل «نيويورك تايمز» |
|
يمكن القول إن قليلا من الأماكن في العالم تحظى بهواء نقي مثلما هو الحال في المشاريع السكنية الخاصة بالسويد. فبلدة برجسيون التي تبعد خمسة أميال عن غوتنبرغ ثاني أكبر مدينة في السويد، وهي ميناء يضم مصانع سيارات «فولفو» وأحواض بناء السفن الكبيرة، وظلت لفترة طويلة مدينة صناعية قوية. أما برجسيون التي بنيت ما بين عامي 1967و 1972 لمكافأة العمال الذين شاركوا بتحقيق النجاح الاقتصادي، فهي تشبه الكثير من المواقع التي يحب السويديون أن يقضوا عطلهم الصيفية فيها، إذ تتميز بالهدوء والنقاء وكثرة البحيرات ورائحة الأشجار، ومع ذلك لا يحتاج المرء سوى ان يستقل «الترام» للوصول إلى مصنع «إس.كي.أف» لإنتاج قطع غيار السيارات «بول بيرينغ». ولا يوجد في المركز سيارات أما ساكنوه البالغ عددهم حوالي 14500 فيعيشون في شقق مبنية فوق هضاب خضراء. وتقول آسا سفينسون منسقة المجلس البلدي للتنمية «بني هذا الموقع للناس الذين يحبون الريف». لكن أحواض بناء السفن اختفت الآن، والعمال الذين كانوا يعيشون في برجسيون غادروه. واليوم يحتل المهاجرون الأغلبية من سكان هذا المنتجع الخاص وهم ينتمون إلى مئات القوميات. وهناك 70% من السكان قد ولدوا أما في الخارج أو لديهم آباء في بلدان أخرى. وهذه الحال تنطبق على 93% من أطفال المدارس في هذه المنطقة. ويمكن للمرء أن يشاهد صومالية تتمشى في الطرقات وهي ترتدي الحجاب وبالقرب منها يمكن قراءة كتابات على الجدار «البوسنة والهرسك إلى الأبد». وكان عمدة غوتنبرغ قد أعلن قبل عدة سنوات أن «احتمال إعادة برجسيون إلى منطقة سويدية طبيعية تقريبا يساوي صفرا».ويعيش 40% من العائلات على المساعدات الاجتماعية التي يوفرها نظام الضمان الاجتماعي بشكل كامل، بينما أغلبية الباقين يحصلون على مساعدات الضمان الاجتماعي ضمن أشكال مختلفة أخرى، فيما يشتغل أقل من نصف السكان. وهناك تقارير تشير إلى أن ارتفاع نسبة تشكل عصابات إجرامية ـ مع تشكل الجماعات الإسلامية المتطرفة على الرغم من أنه ليس هناك أي من المسؤولين قادرا على تقديم صورة واضحة عن كيفية ممارسة الشعائر الإسلامية وأين يتم ذلك. وفي أكتوبر (تشرين الاول) الماضي تم إيقاف السويدي ميرساد بكتاسيفتش، 19 سنة، والمقيم قرب غوتنبرغ، داخل شقة تحتوي على أحزمة متفجرات. وبكتاسيفتش مولود لأسرة مسلمة في يوغوسلافيا قبل الحرب وطلبت أسرته اللجوء حينما كان عمره ستة أعوام. وهو حسب التقارير كان يدير موقعا في شبكة «الانترنت» يساند أبو مصعب الزرقاوي. وفي خطاب ألقاه خلال أكتوبر 2004 استخف أسامة بن لادن بالرئيس جورج بوش قائلا له «ليخبرنا لماذا نحن لم نضرب السويد على سبيل المثال». ولعل السويد أبقت مسافة فاصلة بينها وبين الحرب في العراق لكنها لا تستطيع أن تحمي نفسها مما يجري في العالم. هناك الكثير من المناطق المماثلة لبرجسيون في مدن السويد الأخرى. وتقطنها أغلبية أجنبية وهي مناطق أصبحت مجهولة تماما لسكان السويد الأصليين. تقول سفينسون التي تعمل في برجسيون منذ 25 سنة إنها لم تتعرض أبدا لأي اعتداء ولم تشعر يوما بعدم الأمان هناك. والمساحات العامة نظيفة والشقق كبيرة. وبعد حوادث الخريف الماضي في فرنسا جاء صحافيون من فرنسا وألمانيا لزيارة المشاريع السكنية التي تعود للدولة وامتدحوا النظام باعتباره نموذجا مثاليا. ويفتخر السويديون بنظام الضمان الاجتماعي الذي بنوه في بلدهم خلال السبعين سنة الأخيرة. ونجحوا من خلاله بتمييز أنفسهم أثناء الحرب الباردة عن الرأسمالية الأميركية والشيوعية السوفياتية عن طريق تحقيق الرفاهية والمساواة معا. لكن المناطق التي بنيت كي تبقي الناس قريبا من الطبيعة أصبحت تبعدهم عن سوق العمل. والسياسات التي كانت تحمي الناس من الاضطهاد أصبحت تعرضهم للإهمال الآن. وبدأ السويديون يستخدمون كلمة «الفصل العنصري» التي كانوا يستخدمونها في السابق فقط حينما يريدون أن ينتقدوا بلدانا أخرى. وبدأت تتشكل قناعة بين الناس تقول إن النظام السويدي لا يمكنه أن يتكيف إلى مجتمع يشكل السكان المولودون في الخارج نسبة السُّبع من بين السكان القادرين على العمل (من حيث السن). أصبحت السويد بلدا متعدد الاثنيات والثقافات ومنقسما على أساس عنصري بطريقتين: الأولى كانت بطيئة والثانية كانت مفاجئة. الجزء البطيء بدأ مع الحرب العالمية الثانية إذ أن السويد كانت محايدة أثناءها لكنها وقعت تحت نفوذ النازيين الألمان. ويقول المؤرخ بايرون نوردستروم إن تلك الحيادية هي «كذبة»، فالسويد كانت «حقا حليفا» للألمان، وقدمت ملايين الأطنان من خامات الحديد إلى الحكم النازي وسمحت لقواته بعبور أراضيها. وكان لهذه الحيادية نتيجتان مهمتان: الأولى كانت روحية تتمثل بولادة نظام الضمان الاجتماعي الطموح والذي كان موضع دفاع خلال العقود الأولى من القرن الماضي استنادا إلى مبادئ شبيهة بمبادئ الثورة الفرنسية مثل المساواة والإنسانية. والثانية كانت لوجستية. ففي وقت كانت البنى التحتية لأوروبا بحاجة لإعادة بناء أو تغيير كانت السويد واحدة من بلدان قليلة ظلت محتفظة ببنية تحتية صناعية لم تتعرض للدمار بسبب الحرب. وهذا ما جعلها تتمتع بمعدل نمو كبير إذ كان حوالي 4% حتى أزمة النفط عام خلال كل السبعينات بينما كان 7% خلال فترة الستينات من القرن الماضي. وكل ما كانت السويد تفتقد إليه هو العدد الكافي من السكان لتشغيل مصانعها. والنتيجة كانت عقد اتفاقات مع عدد من البلدان لجلب اليد العاملة المؤقتة منها. ففي عام 1947 عقدت اتفاقا مع إيطاليا وهنغاريا ثم زادت الاتفاقات لتشمل يوغوسلافيا وتركيا بعد عقدين. ومثلما كان الحال في ألمانيا اتضح أن العمال الأجانب هم ليسوا مؤقتين كما كان الاعتقاد سائدا. لكن على العكس من ألمانيا كانت الهجرة إلى السويد تجربة ناجحة ضمن أي مقاييس اقتصادية وثقافية. لكن حينما توقف الازدهار الاقتصادي في كل الغرب خلال السبعينات من القرن الماضي وبدأت تطرح القيود على هجرة اليد العاملة المهاجرة. لكن هناك بابا واحدا ظل مفتوحا وهذا يتمثل باللجوء السياسي. وهذا ما دفع الكثير من البولنديين اليهود بالهرب من الأجواء المعادية للسامية بينما هرب الكثير من اليونانيين من ديكتاتورية «الكولونيلات» خلال الستينات، ومنذ ذلك الوقت بدأت سياسة الهجرة السويدية تشكل «نمطا أشبه بالدائرة للأزمات السياسية» حسبما يقول تورستين بيرسون. فابتداء من التشيليين القريبين من أليندي خلال السبعينات إلى القوميين الأكراد خلال الثمانينات إلى الصوماليين والبوسنيين خلال التسعينات. ومنذ ذلك الوقت بدأت المرحلة «المفاجئة» والسريعة لظهور السويد المتعددة الاثنيات. وحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين فإن نصف إجازات الإقامة منحت لغرض توحيد العائلات وهذا يشكل حوالي رقم 400 ألف شخص لأولئك الذين ينتمون إلى بلدان مرت بكوارث سياسية. والكثير من هذه المناطق تقع في العالم المسلم. لذلك أصبحت السويد الآن تضم ما بين 200 ألف إلى 400 ألف مسلم وهي أعلى نسبة (من حيث نسبتها للسكان الأصليين) بين البلدان ذات الكثافة الإسلامية العالية في أوروبا الغربية. وتعاني السويد من القرارات السيئة والتوقيت السيئ. وفي عام 1985 حولت مسؤولية دمج المهاجرين من بيروقراطيتها المسؤولة عن العمل إلى نظام الضمان الاجتماعي. ثم ما بين عامي 1990 و1994 ضغطت ما بين قطاع دولة واسع وما بين المنافسة الدولية المتزايدة على صناعاتها مرت السويد بأسوأ انهيار اقتصادي لم يعرفه أي اقتصاد غربي لعقود. وتقلص الدخل القومي الإجمالي بنسبة 65 بينما بلغت نسبة البطالة 12%. وهذه هي الفترة التي وصلت معها طلبات اللجوء ذروتها (1992) حيث بلغت 84 ألف طلب في السنة الواحدة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه عن 9 ملايين نسمة. وتم قبول أكثرية الطلبات وكان هذا قبل الموافقة على قانون توحيد العائلات. وتضيف السويد لسكانها نسبة 1% في السنة عن طريق تبينها أكثر الأفراد بؤسا على وجه الأرض. وحاولت السويد أن تربط المهاجرين بالوظائف والجاليات حسب الخطوط التي يقترحها يوهانسون. لكن خططا كهذه تعاني من الاحباط بسبب الفيض الهائل من اللاجئين. والبلد يعاني الآن أزمة إسكان القادمين الجدد بينما كانت السويد تتميز بوفرة كبيرة في المساكن. وسبق للسويد أن واجهت أزمة سكن في الستينات من القرن الماضي لكنها تمكنت عبر مشروع سمي بـ «برنامج المليون» سكن. لكن السويديين يفضلون مساكن خاصة حالما يصبحون قادرين على شراء بيوت خاصة. وحينما بدأ المهاجرون يصلون إلى السويد كانت هناك أمكنة لإسكانهم فيها. وأشار أسار ليندبيك رئيس الاقتصاديين المتخصصين في نظام الضمان الاجتماعي السويدي إلى أن هؤلاء بعثوا إلى مناطق فيها شقق فارغة والتي هي «بالتعريف منطقة ذات بطالة عالية». في الوقت الحالي اصبح السكان المهاجرون مرتبطين ببرنامج المليون بحيث ان مجلة المهاجرين الموسومة «غرينغو» صاغت مصطلح «المليون سويدي» لوصف الناس الذين يعيشون في هذه الشقق. وقد اصدر المحرر زانيار أدامي، الكردي البالغ 24 عاما والذي وصل مع والديه من ايران وهو في سن السادسة، العدد الأول في أغسطس (آب) 2004. وقد حصل على لقب الصحافي المتميز في البلاد. ويريد أدامي ان يدافع عن ثقافة السويديين الجدد بل ويمجدها، ولكنه يعترف بأنه يعاني من حيرة بشأن ماهية تلك الثقافة. فقد نشأ في مسكن جديد في منطقة هاسلبي التي تقع غرب ستوكهولم. وكانت لديه مشاعر اغتراب، وبدأ مسيرته الصحافية عندما ذهب الى مربع ليلي مع سبعة اصدقاء تبدو ملامحهم سويدية، وقد شخص من بينهم ليرفض عند الباب. وعاد الى البيت وكتب مقالة نشرت وسط شيء من الجعجعة في «داغنز نيهيتر»، الصحيفة الأكثر نفوذا في البلاد. ويقول انه «كان هناك هذا الشعور من أن السويدي أفضل من الأجنبي». ولكن الاغتراب ليس كل شيء بشأن الموضوع. فأدامي متحمس لاظهار انه لا يمتلك موقفا عدوانيا. واذ يجلس في مقهى صغير في حي سودرمالم يقول ادامي «والدي اقتصادي ويعمل سائق سيارة اجرة. وهو ايجابي دائما بشأن السويد، حتى اذا ما تعرض الى التمييز. وقد أثر فيّ ذلك كثيرا». ويقول موريشيو روجاس انه «في المناطق المعزولة تكون المدارس مفتاحا» وروجاس (55 عاما) مؤرخ اقتصادي بارز هرب من تشيلي اوائل السبعينات. ويقول «يعتقد كثير من السويديين ان هناك مناطق من الممتع أن يعيش فيها المرء. وهم على حق في ذلك. ولكنهم لا يبقون اذا كانوا لا يعتقدون أن اطفالهم سيحصلون على تعليم سويدي. ومثل هذه الأفكار الصريحة ظلت ميزة روجاس منذ ان بدأ سيرته مع الحزب الليبرالي الذي يؤمن بالسوق الحرة. وقد انجذب السياسيون المهاجرون (على الرغم من أنهم ليسوا ناخبين) الى الليبراليين من روجاس الى البرلماني نيامكو سابوني المولود في الكونغو. وربما الا يعتبر هذا مثيرا للدهشة في بلد حيث الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الحكم منذ عام 1032 لاستثناء سنوات قليلة و«التقدمي» يعتبر مرادفا لـ«المؤسسة». ويقدر روجاس ان المرحلة التي يبدأ فيها التغير الديموغرافي تأتي عندما تصل نسبة المهاجرين الى 20 في المائة من السكان المحليين. والسبب هو أن انظمة المدارس تصبح عندئذ نصف مهاجرة اذا ما اخذنا بالحسبان ميل المهاجرين الى امتلاك عدد أكبر من الأطفال. ويعود الأطفال الى البيت وهم يتحدثون السويدية بلهجة منطقة رينكبي في ستوكهولم، وهي منطقة يكثر فيها المهاجرون، مع الكثير من العامية المستمدة من التركية والعربية وغيرهما. والطلاب الموجودون في صف اللغة الانجليزية لمن تبلغ أعمارهم الخامسة عشرة يأتون من الصومال وسورية وتركيا والعراق. وترتدي الكثير من البنات الحجاب. واذا كانت بريدباي مدرسة نموذجية للمنطقة (ويبدو الأمر هكذا) فان السويديين يحصلون بالتالي على نتائج تعليمية افضل بكثير من أولئك القادمين من دول أوروبية ومن الولايات المتحدة. فانجليزية الأطفال، وهي لغة ثالثة بالنسبة لهم جميعا، ممتازة، حتى لو أن الأمر تطلب منهم وقتا للتغلب على خجلهم في استخدامها. انهم لا يناقشون السياسة وهم على اجماع في اعتبار الولايات المتحدة «رائعة». وهم يريدون معرفة كم هي المبالغ التي يحصل عليها الصحافيون الأميركيون. ويقول اثنان منهم «انك تستطيع أن تكون مشهورا هناك». والمعارضة الوحيدة على روعة أميركا تأتي من المعلم السويدي المولد، وهذا ليس مثيرا للدهشة. وعلى نحو خاص فمنذ الاطاحة بنظام صدام حسين الذي كان من بين ضحاياه الكثير من أقارب الأكراد والعراقيين ممن طلبوا اللجوء في السويد، فانك تجد عددا أكبر من المؤيدين لأميركا في صفوف أطفال المهاجرين المسلمين بالمقارنة مع الأطفال السويديين. ويحتل الجامع الكبير في ستوكهولم ساحة مزدحمة في منطقة مدبوريرتورغ، على بعد ثلاث محطات بقطار الأنفاق جنوب مركز المدينة، ويأتي اليه عدد كبير من المصلين. وفي الصيف الماضي فتحت نافذة على القضايا السياسية الداخلية في الجامع. فقد بثت اذاعة سويدية محتوى شريط مسجل معاد للسامية كان يباع هناك. وبدأ عدد من رجال الجامع استخدام صفحات «اكسبريسن» التابلويد اليمينية لمناقشة اختلافاتهم وعرض أجندات بعضهم بعضا. وأعلن حسن موسى الامام المحافظ الجزائري المولد على صفحات «اكسبريسن» انه تلقى تهديدات بالقتل من داخل جامعه. ودعا موسى، الذي أعلن عن «صدمته» جراء تفجيرات لندن الصيف الماضي، وزير الاندماج السويدي جينز أورباك، الى تأسيس مجلس لمكافحة التطرف. وفي تعبيره عن معارضته للعنف يقول موسى وهو يحتسي القهوة في المجمع الثقافي وسط ستوكهولم «قررت أن ابعد كلمة «لكن» عن مواعظي». المهاجرون السويديون بعيدون عن أن يكونوا الأكثر فقرا في أوروبا، ولكنهم بين الأكثر عزلة. ووجدت دراسة اجريت مؤخرا من جانب الاقتصادي دون أولوف روث ان الأطفال الناشئين في السويد من القادمين من دول أخرى، ممن يبدون مختلفين في الغالب، يكونون في وضع أسوأ عند البحث عن وظائف بالمقارنة مع السويديين الآخرين. وفي برنامج «حقائق دامغة» الذي يقدم من القناة الرابعة للتلفزيون السويدي وعروض اخبارية اخرى تعرض صورا من «صحافة التحقيق» يظهر، على سبيل المثال، ان شقة «متوفرة» للسويدي يمكن أن يقال لغير السويدي عند طلب تأجيرها انها «غير متوفرة». وقامت شركات العقارات بحملة لإزالة صحون الستالايت، وهي غالبا ما تكون في شقق عائدة الى المهاجرين من الدول النامية، من نوافذ تلك الشقق بحجة انها يمكن أن تلحق اذى بآخرين اذا ما سقطت.
|