الرسالة السادسة

22 10 00

فى رسالتى هذه اود ان اوضح لك بعض الامور التى تشغلنى احيانا كثيرة… والتى قد تصيبنى ببعض الدَّوار، فظاهرة التمييز في العمل لن تتلاشى من تلقاء نفسها، كما أنّ السوق لن تعالجها بمفردها. ولهذا تلجأ الدوله إلى "سن" القوانين الكثيرة عديمة الفائده بمعنى ادق "حبر على ورق".... لمجابهة مشكلات الاجانب الأقتصادية والأجتماعية، ولتقليل التفرقه السائده ضدهم، من خلال التطبيل والتزمير عند تشريع مثل هذه القوانين، ولكن هذه التشريعات تنحرف عن الحل الناجع عند التطبيق، "فالثغرات تثقب غابة التشريعات" فتزيد الأمور تعقيدا، ويختلط الحابل بالنابل، وهذا ما نراه الأن من ازدياد رقعة التهميش الاجتماعي والتفاوت الطبقي، فالكثيرين من الذين يعانون التمييز، خصوصاً على أساس جنسهم أو لونهم، يواجهون "هوّةً في المساواة" متواصلةً تفصلهم عن السويدين، الذين يتمتعون بحياة أفضل، أو حتّى من نظرائهم الذين استفادوا من القوانين والسياسات المضادة للتمييز. وهي حقيقة واقعية يلمسها ويشعر بها ويعاني منها الكثير من الاجانب وكل من له أدنى اطلاع على الاوضاع وما يتجدد في الساحة الداخليه يوما بعد يوم، فالاوضاع تسير من اسوء الى الاسوء... رغم كل القوانين والتشريعات، لأن هذه التشريعات فى الواقع تشريعات لأحلام تموت قبل ان تولد، مثل احلام الليل التى تموت في يقظة النهار.... 

في مثل هذا المناخ الاجتماعي الرديء لا يصبح الجُهد والعرق والاجتهاد هو المصدر الرئيسي لتحصيل الرزق، بالنسبه للكثيرين، بل "الشطاره" والتحايل والسرقة، مهما كانت قليلة.. حيث يلاحظ ان قطاعات عريضه من "الاجانب" معزولة ومهمشة سياسيا، ولانهم فى النهايه ليسوا أوروبيين، إنهم آخرون، غرباء لا تقف غرابتهم عند الأرض ونمط الحياة، بل تشمل على كافة امور الحياه... ولأن الوطن والمواطنه لا تخلقها الأحلام، وأن لا أقدام لمهاجر ثابتة مهما عمل. ولذلك يجب ان يكون اولا واخراً إنسان مهمش :اسمه فلان ... موطنه مجهول .. نهاره قلق .... وليله أرق... الكثيرون يحبذون اللجؤ الى إجراءات أكثر صرامة في إطار دمج المهاجرين، مع ان السويدين رغم الصورة التي يعكسونها في العالم يواجهون صعوبات أكثر من غيرهم لقبول الناس الذين يندمجون بشكل جيد في المجتمع لكن لديهم لون او إسم مختلف... 

يا عزيزى اعتقد ان هذا الأمور تسير حسب "خطه" فكل شئ مدروس، وما نراه من تجاوزات هذه الايام، فالمدير ( يخدع ) يسرق وينهب، والموظف يسرق وكلٌ حسب استطاعته وكل حسب منصبه، من خلال دائره مفرغة... فالسرقه جماعيه، وأغلب من تتم سرقتهم يلجؤون بدورهم إلى سرقة غيرهم، لتعويض ما سرق منهم.... ولكن هذا لا يمنع استثناء جود اُناس شرفاء، لا زالوا يعملون بصمط، مبتعدين عن التردي في السرقة العامة، لأحساس جارف منهم بالمصلحة الوطنية ولكنهم يتقلصون بمرور الأيام.... 

الأن افهم جيدا لماذا يشجعون ويدعمون المراكز والمدارس وما شابه ذلك، ويعطون الرخص لمن هب ودب من الحمقى والجهال، فقط لألهاء الناس فى اُمور تشغلهم وتلهيهم مده من الزمن ... كل هذا حسب " الخطه"... فالعمله لها وجهان، وجه باين للجميع، حريه، اخاء، مساواة وكل هذه الكلمات التى تداعب أفئدة الناس، ووجه اخر معاكس لكل كلمه سبق ذكرها ... وبدأت الصوره تتغير إلى موضوع آخر، فقد تبين لي أن الموضوع اشمل واعمق. فنحن امام قابليه لدى الكثيرين لتصديق أكاذيب ومبالغات الآخرين، مثل الابتهاج للماديات المتوفره من حولهم وهذا ما يؤدى الى قابلية "الاستحمار" لديهم... من خلال استحمارهم علمياً وادبياً ومعنوياً، والتقليل من مستواهم العلمى والادبى، وبالتالى إغلاق كافة السبل فى وجوههم لايجاد الوظائف المناسبه لاخّتِصصاتهم، من خلال المماطله وإضاعة الوقت فى امور لا تسمن ولا تغنى من جوع كمدارس اللغه مثلا، والأمثله كثيره...ولعلمهم بأن لدى الكثيرين رغبة داخلية بأن يُكذب عليهم وهم مرتاحون نفسيا للكذب المزوق والجميل.... فما عليك إلا أن تستمع لما يقال في الخطب والإذاعة والتلفزيون عن الديموقراطية والحرية.. وتكافؤ الفرص، والشفافية.. وعليك أن تثق في أن هناك تكافؤ فرص، وتأكد تماما من المساواة، حيث تناقش اللامساواة الاجتماعيه على أنها "عدم كفاية الاجراءات الديمقراطيه" وليس تطبيق الديمقراطيه نفسها، وكأن الديمقراطيه حقيقه مسلم بها لا يجوز مناقشتها...   

استمتع وابتسم، وإلا فما نحن إلا برابرة معاديين لقيم الحرية والمساواة والعدالة الإنسانية... 

كنت فى السابق انتقد الكثيرون لقيامهم باعمال غير اخلاقيه، ولكن مع الوقت بدأت الامور تتضح لى اكثر فاكثر والانتقادات بدأت بالتلاشى وحل محلها تعاطف وتفّهم... فأنا أشعر حقا بأنهم مهمشون لولا بعض الاعمال والواجبات البسيطة التى كُلفوا بها... فماذا يفعلون تحت إلحاح الحاجات اليومية وفساد الأداريين؟ ولهذا اتفهم اسباب تجمعهم فى مناطق سكنيه خاصه بهم، واقدّر مساعدة وتعاطف الغريب للغريب في امور شتى، ولسان حالهم بيت شعر لامرىء القيس: أجارتنا إنّا غريبان هاهنا - وكلُّ غريب للغريب نسيبُ! 

هناك موضوع نسيت ان اُحدثك عنه، ولكنى على يقين بسماعك عنه وهو... مع بداية القرن العشرين وحتى عام "١٩٧٥"(كما يشيعون) كانت تتم حالات التعقيم القسرى، والحد من زواج المتخلفين أو منعه، ومنع الحمل، والإجهاض، لكثير من المرضى، المعتوهون والمجانين، مرضى الصرع ،المقعدون، الشواذ، المجرمون، والفقراء، بل والقتل إذا لزم الأمر... بمعنى اخر كلُّ مَنْ يلوث المستودع الوراثى للسلالة.... من خلال تحسين الإنسان عن طريق منح السلالات الأكثر صلاحية فرصةً أفضلَ للتكاثر السريع، مقارنة بالسلالات الأقل صلاحية، وهو ما يسمى بالحرب "اليوجينية" وهو ما كان سائداً فى عدة دول مثل ألمانيا وإنجلترا والدنمارك والسويد.... فالأقوى كما يقول هتلر لابد أن يسود على الأضعف، لا يمتزج معه حتى لا يضحى بعظمته... وهذا ما يؤكد على أيديولوجيا تفوق الجنس الآرى الأبيض، بطريقه مباشره، وهذه الايام نلمسها من خلال طرق ملتويه ... فالمهاجرون الملونون من السلالات الأدنى...حيث يُفضل المهاجرون من جنسيات معينة...ومن خلال مواصفات محدده، ولتسهيل عملية الفرز وتوفيراً للنفقات، أقاموا معسكرات على شواطئ بعض دول شمال افريقيا، حيث يحتجز فيها المهاجرون حتى يتفضل السادة باختيار من يريدون ... ويُرحل الباقي قسرا الي بلادهم... وبالتالى يبعدون الشبهات عنهم.... وتُحمل بالتالى الدول الموجوده عليها هذه المعسكرات المسؤلية التامه عن ما يحدث من اجراءت تعسفيه اتجاههم، مع غياب الديمقراطيه فى مثل هذه البلاد.. هذه المعسكرات تذكرنا بأمكن تجميع العبيد التى لا زالت اطلالها موجوده فى دول الساحل الغربى لافريقيا مثل موريتانيا والسنغال والتى تعيد الى الذاكره رحلة عذاب الكثيرين عبر الاطلسى ممن اختطفهم تجار النخاسه حيث كانوا يطلقون عليهم " خشب الأبنوس الأسود" استخفافا بالعنصر البشري، كى يباعوا بعد ذلك للعمل كعبيد في مزارع القطن الامريكية، حيث مات مئات آلاف منهم مقيدين بالسلاسل في سجون تجميعهم او سفن نقلهم...  

الان وقد إنتهى عصر اقتصاديات الإنتاج بالجملة الذى تطلب تعليم الجماهير لتوفير المهارات البسيطة للكل. وكما قال ألدوس هكسلى عام ١٩٣٤، إن تعليم الجماهير الغفيرة قد خلق طبقة عريضة يمكن أن نسميها طبقة "الأغبياء الجدد".... والأن وقد دخلنا عصر المعلومات الذى هو بحاجه الى مهارات عالية، عصر يتطلب التخلى عن سياسة تعليم الجماهير، والاكتفاء بتعليم افضل الطلبه وتسخير السلالات الادنى... وهو إمتداد لجمهورية أفلاطون حيث "الفلاسفه" يتمتعون بالصحة والقدرة العالية على التفكير، أما "محدودو" الذكاء فكانوا يشغلون المواقع الدنيا فى السلسل الهرمى.... 

بعد كتابة هذه السطور بسنوات، التقيت بشاب عراقى، وبعد التحيه والسلام سألته إن كان يعمل، فأجاب بالإيجاب، وبأنه يعمل فى احد مزارع صدام، واصبت بالدهشه عند سماعى ذلك المصطلح، فحسب علمى لا يوجد مزارع لصدام فى السويد؟.... ولكنه ضحك حين رأى دهشتى... واخبرنى ان اُناس كثيرون فى العراق كانوا يعملون فى مزارع لصدام، اما هنا فتغير الاسم فمن مزارع صدام الى مزارع بلدية يونشوبنغ، الفرق بين مزارع صدام ومزارع يونشوبنغ ان صدام كان يدفع للعاملين أُجورهم، اما بلدية يونشوبنغ فهم يعملون لديها مجاناً... عبيد... العبيد فقط من الاجانب والملونين ولا يوجد بينهم اي عامل سويدى.. فهم يطرحون بذلك المساواة في إطار الإنسان الأوروبي ولم يؤمنوا بها خارج هذا النطاق ولهذا فان المساواة أو الحرية أو العدالة أو أية حقوق اجتماعية أو سياسية هي من حق الإنسان الأبيض. وكأننا نعيش زمن الاقطاع والعبيد ومزارع السكر وغيرها... وكما نرى فالتاريخ يعيد نفسه من خلال جمهورية أفلاطون في مطلع القرن الحادي والعشرين..... هكذا هم الاحرار فى زمن العبيد، كل ما حصلوا عليه المزيد من القهر والذل.... وهذا ما ينطوي عليه ظلم اجتماعي خطير يمارس بصورة قانونية ضد فئه من الناس... فالحرية والمساواة في افضل حالاتها هى حرية طبقة وليست حرية إنسان بما هو إنسان... فالديمقراطية والحرية لاتعني الخبز واللباس ...فقط ... حيث تُعرى الحقائق كما تُعرى الصحراء عندما تذريها الرياح.... 

الصوره السائده عن العرب فى الغرب هى انهم عباره عن انهم مجموعه من البدو الحفاة العراه من رعاة الابل الذين اصبحوا يقودون السيارات الفارهة بعد اكتشاف البترول... بيوتهم قائمه على برك ماء من الداخل يحيط بها عدد كبير من "الحريم "، نساء شبه عاريات متكئات على الوسائد، وكأننا نعيش حكايات ألف ليلة وليلة.... صورة تُظهرهن الافلام الغربية كتله من الجهل والقذاره لا هم لهن إلا المطبخ، وذات ثقافة محدودة، بينما الاوروبيات واثقات من انفسهن ومن قدراتهن جميلات انيقات الملابس، ولهذا لا يقر لهن قرار إلا بتقليد المرأة الغربية، وهذا الصوره هي التى تنسجم مع أمالهم ...وهكذا.... 

وصورة الرجال ليست أفضل، حيث ان الاوروبى عكس العربى، مهذب واثق النفس يفكر بطريقه علميه منطقيه.. وهو ترويج للرجل الأبيض بأنه هو السوبر... فهو البطل الذى يتميز بالاعتماد على استخدام العقل والمنطق وبالتالي فهو أكثر ذكاء وإبداعا وتخطيطا وتنظيما ومدنية... 

وهذا  امتداد للمقولة النازية التي تقول" إكذب إكذب حتى تُصدقك الناس واكذب إكذب حتى تصدق نفسك"

عزيزى،، لا عرف من اين أبدء ولا اين انتهي أئبدء من حيث إنتهيت، أجهل المستقبل، أيكون كالماضي .. كالحاضر ؟... إحساسى يدفعنى إلى إيثار الوحده على صحبة الناس.. وكما قال سارتر" الجحيم هم الآخرون" وختيار الكتاب بدلا عنهم.. لا اعرف تماما عدد المرات التي شعرت فيها باليأس من كل شيء.

لا أعرف لماذا كتبت إليك، ولا أعرف أيضا الجدوي من وراء هذه الكتابة؟ لهذا فهذه اخر مره اكتب لك رساله فى مثل هذه المواضيع...