| سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر |
| نادى مِن الحانِ : غُفاة البشَر |
| هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن |
| تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر |
| أحسُّ في نفسي دبيب الفناء |
| ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء |
| يا حسرتا إن حانَ حيني ولم |
| يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء |
| أفق وهات الكأس أنعمُ بها |
| واكشف خفايا النفس مِن حُجبها |
| وروّ أوصالي بها قَبلَما |
| يُصاغ دنّ الخمَر مِن تُربها |
| تروحُ أيامي ولا تغتدي |
| كما تهبُّ الريح في الفدفدِ |
| وما طويتَ النفس هماً عَلى |
| يومين : أمسْ المنقضى والغدِ |
| غدٌ بِظَهْرِ الغيب واليوم لي |
| وكم يخيبُ الظنُّ في المقبلِ |
| ولَستُ بالغافلِ حتى أرى |
| جمالَ دنيايَ ولا أجتلي |
| سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ |
| ما فتَّق النّوم كمام الشبابَ |
| أفق فإنَّ النّوم صنو الردى |
| واشرب فمثواكَ فراش الترابَ |
| قَد مزَّق البدرُ سنَار الظلام |
| فأغنم صفَا الوقت وهات المدام |
| واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا |
| يسري علينا في طباقِ الرغام |
| سأنتحي الموتَ حثيث الورود |
| ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود |
| هات أسقنيها يا مُنى خاطري |
| فغايةُ الأيام طولْ الهجود |
| هات أسقنيها أيهذا النديم |
| أخضَب مِن الوجهِ اصِفرار الهموم |
| وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطلى |
| وقدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم |
| إن تُقتلَع مِن أصلِها سُرحتي |
| وتصبحُ الأغصان قَد جفَّت |
| فصغْ وعاء الخمَر مِن طينتي |
| واملأهُ تسرِ الروح في جثتي |
| أَفِق الآن فالشمس التي طوحت بالنجوم |
| بعيداً عن حقول الليل |
| أطاحت معها بالليل من السماء |
| لتخترق قلعة السلطان برمح من الضياء |
| تعال إملأ الكأس وفي حرارة الربيع |
| ألق عباءة الندم الشتائي |
| لم يبق لطائر الوقت سوى لحظة و يطير |
| هاهو يحلق الآن في الأعالي |
| سواء في ـ نيسابور ـ أو في ـ بابيلون |
| سواء دارت الكأس بالحلاوة أو بالمراره |
| فإن خمرة الحياة تتنزب قطرة قطره |
| وأوراق العمر تتساقط واحدة إثر واحده |
| بالخيط الذي يرتبط به وجودي ترتطم الخمره |
| فليسخر الدرويش كما يشاء |
| فمن المحتمل أن يصنع من معدني الوضيع |
| مفتاحا ًَ يفتح الباب الذي يولول خارجه |
| بأول طين للأرض كونوا آخر عجينة للإنسان |
| ومن آخر الحصاد نثروا البذور |
| لقد خط فجر الخليقة الأول |
| ما سوف يقرأه الغروب الأخير للحياه |
| في طفولتي مارست بشغف |
| دور الحكيم ودور القديس أو سمعت الكثير |
| حول ذلك ـ لكن الأهم |
| أنني خرجت من نفس الباب الذي دخلت منه |
| القمر الذي يبزغ من البعيد ويطل علينا مرّة أخرى |
| كم مرّة بعدنا سوف يكتمل ثم يخبو |
| كم مرّة بعدنا سيصعد ليرانا في هذه الحديقه |
| أو يرى واحداَ منّاً ...عبثاً |
| آه فلنبذل قصارى جهدنا الآن |
| قبل أن نهبط سوياً تحت التراب |
| تراب يدخل التراب لينام تحت التراب |
| بلا نبيذ بلا أغنيه بلا مغن وبلا نهايه |
| الأصبع الذي يتحرك يكتب ... بتم الكتابةَ ويتحرك من جديد |
| لن يغريه كل ذكائك |
| بالعودة نصف سطر إلى الوراء |
| لن تغريه كل دموعك... بمحو كلمة واحده |
| سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحر |
| نادى من الغيب غفاة البشر |
| هبوا املأوا كأس المنى |
| قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر |
| لبست ثوب العيش لم اُسْتَشَرْ |
| وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر |
| وسوف انضو الثوب عني ولم |
| أُدْرِكْ لماذا جِئْتُ أين المفر |
| نمضي وتبقى العيشةُ الراضية |
| وتنمحي آثارُنا الماضية |
| فقَبل أن نَحيا ومِن بعدِنا |
| وهذه الدُنيا علَى ما هيه |
| طَوت يدُ الأقدار سفرَ الشباب |
| وصوَّحت تلكَ الغصون الرطاب |
| وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى |
| متى أتى . يا لهفا . أينَ غاب |
| الدهرُ لا يعطي الَّذي نأمل |
| وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَل |
| ونحنُ في الدُنيا علَى همّها |
| يسُوقنا حادي الردى المُعجّل |
| أفِقْ خَفيفَ الظِلِ هذا السَحَر |
| نادى دَعِ النومَ وناغِ الوَتَر |
| فما أطالَ النومُ عُمرأ |
| ولا قَصَرَ في الأعمارَ طولُ السَهَر |
| اشرب فمثواكََ التراب المهيلِ |
| بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل |
| وانشق عبير العيش في فجرهِ |
| فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ |
| كم آلم الدهر فؤاداً طعين |
| وأسلم الروح ظعين حزين |
| وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ |
| أسألهُ عن حالةِ الراحلين |
| يا دهرُ أكثرت البلى والخراب |
| وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب |
| ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ |
| يبينْ لو يُنبَش هذا التراب |
| فكم تَوالى الليل بعد النهار |
| وطال بالأنجم هذا المدار |
| فامْشِ الهُوَيْنا إنَّ هذا الثَرى |
| من أعْيُنٍ ساحِرَةِ الاِحْوِرار |
| أينَ النديم السمح أينَ الصبوح |
| فقد أمضَّ الهمّ قلبي الجريح |
| ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى |
| كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح |
| نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب |
| أرواحنا تفدى الثنايا العِذاب |
| وروح هذا الدنَّ نستّلهُ |
| ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب |
| يا نفسَ ماهذا الأسى والكدر |
| قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر |
| هَل ذاقَ حلو العفوَ إلاّ الَّذي |
| أذنبَ والله عفَا واغتفر |
| نلبسُ بينَ الناس ثوب الرياء |
| ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء |
| وكم سعينا نرتجي مهرباً |
| فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء |
| لم تَفتَحَ الأنفسَ باب الغيوب |
| حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب |
| ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد |
| يلتأم حتى أنكأتهُ الخطوب |
| عامل كاهليك الغريب الوفي |
| واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي |
| وعِف زلالاً ليسَ فيه الشفا |
| واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي |
| أحسن إلى الأعداء والأصدقاء |
| فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء |
| واغفر لأصحابكَ زلاّتهم |
| وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء |
| عاشر مِن الناسِ كبار العقول |
| وجانب الجهّال أهل الفضول |
| واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ |
| واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول |
| يا تارك الخمرَ لماذا تلوم |
| دعني إلى ربي الغفور الرحيم |
| ولا تُفاخرني بهجرِ الطلى |
| فأنتَ جانِ في سوِاها أثيم |
| أطفئ لَظى القلبِ بشَهْدِ الرِضاب |
| فإنما الأيام مِثل السَحاب |
| وعَيْشُنا طَيفُ خيالٍ فَنَلْ |
| حَظَكَ منه قبل فَوتِ الشباب |
| بستانُ أيامك نامي الشجَر |
| فكيفَ لا تقطفُ غضّ الثمَر |
| اشرب فهذا اليوم إن أدبرت |
| به اللَّيالي لم يعدهُ القدر |
| جادت بساط الروض كفُّ السحَاب |
| فنزّه الطرفَ وهات الشراب |
| فهذه الخضرةَ مِن بِعدنا |
| تنمو علَى أجسادِنا في التراب |
| وإن توافِ العشب عندَ الغدير |
| وقَد كسَا الأرض بساطاً نضير |
| فامشِ الهوينا فوقهُ . إنه |
| غذّتهُ أوصالُ حبيبٌ طرير |
| يا نَفس قَد آدكِ حملُ الحزن |
| يا روح مقدور فُراق البدن |
| إقطف أزاهير المُنى قبلَ أن |
| يجفَّ مِن عيشك غضّ الفنن |
| يحلو ارتشاف الخمَر عندَ الربيع |
| ونشرُ أزهار الروابي يضوع |
| وتعذّب الشكوى إلى فاتنٍ |
| علَى شفا الوادي الخصيب الينيع |
| فلا تَتب عن حسوِ هذا الشراب |
| فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب |
| وكيفَ تصحو وطيور الربى |
| صدّاحةٌ والروض غضّ الجناب |
| زخارفُ الدُنيا أساس الألم |
| وطالبُ الدُنيا نديم الندم |
| فكن خليَّ البال مِن أمرها |
| فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم |
| وأسعدْ الخلقْ قليل الفضول |
| مَن يهجر الناس ويرضى القليل |
| كأنهُ عنقاءَ عندَ السّهى |
| لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول |
| مَن يحسبَ المال أحبَّ المُنى |
| ويزرع الأرضَ يريد الغِنى |
| يفارق الدُنيا ولم يُختَبر |
| في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى |
| سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء |
| وسار في روحي لهيب الشقاء |
| وهمتُ مثلَ الريحَ حتى ذرَت |
| تُرابَ جسمي عاصفات القضاء |
| يامَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك |
| وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك |
| أسكرَني الإثمُ ولكنّني |
| صحوَت بالآمال في رحمتك |
| لم أشرب الخمَر ابتغاء الطرَب |
| ولا دعتني قلّةٌ في الأدب |
| لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى |
| إطلاق نفسي كانَ كلّ السبب |
| أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء |
| وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء |
| فلم أجد أسرارهُ وانقضى |
| عمري وأحسستُ دبيب الفناء |
| أطاَل أهل الأنَفس الباصره |
| تفكيرهم في ذاتِك القادره |
| ولم تزلْ يا ربْ أفهامهم |
| حيرى كهذى الأنجمُ الحائره |
| لم يجنِ شيئاً مِن حياتي الوجود |
| ولن يضير الكون أنَّي أُبيد |
| وا حيرتي ما قالَ لي قائلٌ |
| ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمود |
| إذا انطوى عيشي وحانَ الأجل |
| وسدَّ في وجهي باب الأمل |
| قَرَّ حبَاب العمر في كأسهِ |
| فَصَّبها للموتِ ساقي الأزل |
| إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك |
| فإنّني أطمعُ في رحمتك |
| وإنَّما يشفعُ لي أنّني |
| قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك |
| يا ربْ هيىء سببَ الرزق لي |
| ولا تذقني منّةَ المُفضلِ |
| وابقني نشوانَ كيما أرى |
| روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ |
| أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى |
| ولم أذق في العيشِ طعم الهنا |
| وإنَّني أُشفقَ أن يَنقَضي |
| عمري وما فارقت هذا العَنا |
| لم يبرحَ الداء فؤادِي العليل |
| ولم أنل قصدي وحانَ الرحيل |
| وفات عمري وأنا جاهلٌ |
| كتابَ هذا الدهر جمّ الفصول |
| صفَا لكَ اليوم ورقَّ النسيم |
| وجالَ في الأزهارِ دمع الغيوم |
| ورجّعَ البلبل ألحانهُ |
| يقول هيّا اطرب وخلّ الهموم |
| الدرع لا تمنعُ سهم الأجل |
| والمال لا يدفعهُ إن نزل |
| وكلُّ ما في عيشنا زائلٌ |
| لا شىءَ يبقى غيرَ طيب العمل |
| اللهُ يدري كلُّ ما تُضمر |
| يعلمُ ما تُخفي وما تُظهر |
| وإن خدعتَ الناس لم تستطع |
| خدِاع مَن يطوي ومَن يَنشر |
| وإنَّما بالموت كلٌ رهين |
| فاطرب فما أنتَ مِن الخالدين |
| واشرب ولا تَحمل أسىً فادحاً |
| وخلّ حمل الهم للاحقين |
| رأيت خزّافاً رحاهُ تَدور |
| يجدُّ في صوغِ دنانِ الخمور |
| كأنهُ يخلطُ في طينها |
| جمجمة الشاهِ بساق الفقير |
| تمتلكُ الناس الهوى والغرور |
| وفتنةُ الغيدِ وسُكنى القصور |
| ولو تُزال الحجبُ بانت لهم |
| زخارف الدُنيا وعُقبى الأمور |
| إن الَّذي تأنس فيه الوفاء |
| لا يحفظ الودَّ وعهدَ الأخاء |
| فعاشر الناس علَى ريبةٍ |
| منهم ولا تُكثر مِن الأصدقاء |
| زاد الندى في الزهرِ حتى غدا |
| مُنحنياً مِن حملِ قطر الندى |
| والكُم قَد جمعَ أوراقهُ |
| فظلَّ في زهرِ الربى سيّدا |
| وأسعد الخلق الَّذي يُرزق |
| وبابهُ دونَ الورى مُغلق |
| لا سيَّد فيهم ولا خادم |
| لهم ولكن وادعٌ مُطلق |
| قلبي في صدري أسيرٌ سجين |
| تُخجلهُ عشرةُ ماءٍ وطين |
| وكم جرى عزمي بتحطيمه |
| فكانَ يَنهاني نداءُ اليقين |
| مصباحُ قلبي يستمدُ الضياء |
| مِن طلعةِ الغيدِ ذوات البهاء |
| لكنّني مثلَ الفراش الَّذي |
| يسعى إلى النّورِ وفيهِ الفناء |
| طبعي ائتناسي بالوجوه الحِسان |
| وديدني شرِبَ عِتاق الدِنان |
| فاجمع شتات الحظَّ وانعم بها |
| مِن قبلِ أن تطويكَ كفّ الزمان |
| تَعاقبُ الأيام يُدني الأجل |
| ومرّها يطويكَ طيّ السجِل |
| وسوف تَفنى وهي في كرّهِا |
| فقَضّ ما تغنمهُ في جذل |
| لا تَشغل البَال بماضي الزمان |
| ولا بَآتي العيش قبلَ الأوان |
| واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ |
| فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان |
| قيلَ لدى الحشر يكون الحساب |
| فيغضب الله الشديدَ العقاب |
| وما انطوى الرحمن إلاّ علَى |
| إنالةِ الخير ومنح الثواب |
| كانَ الَّذي صوّرني يعلمُ |
| في الغيبِ ما أجني وما آثمُ |
| فكيفَ يجزيني علَى أنّني |
| أجرمتُ والجرمُ قضاً مبرمُ |
| هات اسقني كأس الطلى السلسلِ |
| وغنّني لحناً مع البلبلِ |
| فإنَّما الإبريق في صبهِ |
| يَحكي خرير الماء في الجدولِ |
| الخمَرُ في الكأسِ خيالٌ ظريف |
| وهي بجوفِ الدنّ روحٌ لطيف |
| أبعد ثقيل الظَّل عن مجلسي |
| فإنَّما للخمَر ظلٌ خفيف |
| بابُ نديمي ذو الثنايا الوضاح |
| وبيننا زهرٌ أنيقٌ وراح |
| وافتضَّ مِن لؤلؤِ أصدافها |
| فافترَّ في الآفاقِ ثغرُ الصباح |
| نارُ الهوى تمنعُ طيب المنام |
| وراحةُ النفس ولذُّ الطعام |
| وفاتر الحبُّ ضعيف اللّظى |
| منطفىء الشعلةَ خابي الضرام |
| القلبُ قد أضْناه عِشْق الجَمال |
| والصَدرُ قد ضاقَ بما لا يُقال |
| يا ربِ هل يُرْضيكَ هذا الظَمأ |
| والماءُ يَنْسابُ أمامي الزُلال |
| خلقتني يا ربْ ماءً وطين |
| وصغتني ما شئتَ عزاً وهون |
| فما احتيالي والَّذي قَد جرى |
| كتبتهُ يا ربْ فوقَ الجبين |
| ويا فؤادي تلكَ دُنيا الخيال |
| فلا تنؤ تحتَ الهموم الثقال |
| وسلّم الأمر فمَحوَ الَّذي |
| خطّت يدُ المقدار أمرٌ مُحال |
| وإنَّما نحنُ رخاخ القضاء |
| ينقلنا في اللوحِ أنّى يشاء |
| وكلُّ مَن يفرغ مِن دورهِ |
| يُلقَى به في مستقّرِ الفناء |
| رأيتُ صفّاً مِن دنانٍ سرى |
| ما بينها همسُ حديثٍ جرى |
| كأنّها تسألُ : أينَ الَّذي |
| قَد صاغَنا أوباعَنا أو شرى |
| سطا البلى فاغتالَ أهلَ القبور |
| حتى غدوا فيها رُفاتاً نَثير |
| أينَ الطلى تتركني غائباً |
| أجهلُ أمر العيشَ حتى النشور |
| إذا سقاني الموت كأس الحمام |
| وضمَّكم بعدي مجال المدام |
| فأفردوا لي موضعي واشربوا |
| في ذكرِ مَن أضحى رهين الرجام |
| عن وجنة الأزهار شفَّ النقاب |
| وفي فؤادي راحةٌ للشراب |
| فلا تَنمْ فالشمس لما يزل |
| ضياؤها فوقَ الربى والهضاب |
| فكم علَى ظهرِ الثرى مِن نيام |
| وكم مِن الثاوينِ تحت الرغام |
| وأينما أرمي بعيني أرى |
| مشيّعاً أو لهزةً للحمام |
| يا ربْ في فهمك حَار البشرْ |
| وقصَّر العاجز والمقتدرْ |
| تَبعثُ نجواكَ وتبدو لهم |
| وهم بلا سمعٍ يعي أو بصَرْ |
| بيني وبينَ النفس حربٌ سجَال |
| وأنتَ يا ربي شديدَ المحُال |
| أنتظر العفو ولكنّني |
| خَجلان مِن علمك سوء الفعال |
| شقَّت يدُ الفجر سِتار الظلام |
| فانهض وناولني صبوح المدام |
| فكم تُحيّينا لهُ طلعةٌ |
| ونحنُ لا نملكُ ردَّ السلام |
| مُعاقروا الكأس وهم سادرون |
| وقائموا اللَّيل وهم ساجدون |
| غرقى حيارى في بحارِ الُنّهى |
| والله صاحٍ والورى غافلون |
| كُنّا فَصرنا قطرةٌ في عباب |
| عشنا وعُدنا ذرّةٌ في التراب |
| جئنا إلى الأرضِ ورحنا كما |
| دبَّ عليها النمل حيناً وغاب |
| لا أفضح السرّ لعالٍ ودون |
| ولا أطيل القول حتى يبَين |
| حالي لا أقوى علَى شرحها |
| وفي حنايا الصدر سرّي دفين |
| أولى بهذى الأعين الهاجده |
| أن تغتدي في أُنسها ساهده |
| تَنَّفَس الصبحُ فقم قبلَ أن |
| تحرمهُ أنَفَاسنا الهامده |
| هل في مجالِ السكون شىءٌ بديع |
| أحلى مِن الكأسِ وزهرُ الربيع |
| عجبتُ للخمّار هل يشترى |
| بمالهِ أحسنَ مما يبيع |
| هوى فؤادي في الطلى والحباب |
| وشجو أذني في سماعِ الرباب |
| إن يَصغْ الخزّاف مِن طينتي |
| كوباً فأترعُها ببرد الشراب |
| يا مدَّعي الزهدَ أنا أكرمُ |
| مِنكَ ، وعقلي ثملاً أحكمُ |
| تَستنزفُ الخلقَ وما أستقي |
| إلاّ دمُ الكرم فمَن آثمُ |
| الخمَرُ كالورد وكأس الشراب |
| شفّت فكانت مثل وردٍ مُذاب |
| كأنَّما الفكان حوَل الشّمس منهُ نقاببدر نَثا ضوءهِ |
| لا تَحسبوا أنّي أخاف الزمان |
| أو أرهب الموت إذا الموت حان |
| الموت حقٌ . لَستُ أخشى الردى |
| وإنَّما أخشى فوات الأوان |
| لا طيبَ في الدُنيا بغيرِ الشراب |
| ولا شجيَّ فيها بغيرِ الرباب |
| فكّرت في أحوالهِا لم أجد |
| أمتعُ فيها مِن لقاءِ الصحاب |
| عش راضياً واهجر دواعي الألم |
| واعدل مع الظَالم مهما ظلَم |
| نهايةُ الدُنيا فناءٌ فَعش |
| فيها طليقاً واعتبرها عدم |
| لا تأمل الخلَّ المقيم الوفاء |
| فإنَّما أنتَ بدنيا الرياء |
| تحمَّل الداء ولا تلتمس |
| لهُ دواءً وانفرد بالشقاء |
| اليوم قَد طابَ زمان الشباب |
| وطابت النفس ولذَّ الشراب |
| فلا تَقُل كأس الطلى مُرّةٌ |
| فإنَّما فيها مِن العيشِ صاب |
| وليسَ هذا العيش خلداً مقيم |
| فما اهتمامي مُحدثٌ أم قديم |
| سنَترك الدُنيا فما بالنا |
| نضيّعُ منها لحظَات النعيم |
| حتَّامٌ يُغري النفس برقّ الرجاء |
| ويُفزع الخاطَر طيف الشقاء |
| هات اسقنيها لَستُ أدري إذا |
| صعَّدتُ أنفاسي رددتُ الهواء |
| دنياكَ ساعات سُراع الزوال |
| وإنَّما العُقبى خلود المآل |
| فهل تَبيع الخُلد يا غافلاً |
| وتشتري دنيا المُنى والضّلال |
| يامَن نسيتَ النار يوم الحساب |
| وعفَت أن تشربَ ماء المتَاب |
| أخافُ إن هبَّت رياح الردى |
| عليكَ أن يأنفَ مِنكَ التراب |
| يا قلب كم تشقى بهذا الوجود |
| وكلّ يوم لك همٌ جديد |
| وأنتِ يا روحي ماذا جنَتْ |
| نفسي وأُخراكِ رحيلٌ بَعيد |
| تناثرتْ أيام هذا العمرْ |
| تنَاثرُ الأوراق حوَل الشجرْ |
| فانعم مِن الدُنيا بلذّاتها |
| مِن قبلِ أن تسفيكَ كفّ القدر |
| لا توحشَ النفس بخوف الظّنون |
| واغنم مِن الحاضرِ أمَنْ اليقين |
| فقد تَساوى في الثَرى راحلٌ غداً |
| وماضٍ من أُلوفِ السِنين |
| مررتُ بالخزّاف في ضحوةٍ |
| يصوغُ كوب الخمَر مِن طينةٍ |
| أوسعَها دعّاً فقاَلت لهُ |
| هل أقفرَتْ نَفسُكَ مِن رحمةٍ |
| لو أنّني خُيَّرت أو كانَ لي |
| مفتاحُ باب القدر المقفلِ |
| لاخترتَ عن دنيا الأسى أنّني |
| لم أهبطَ الدُنيا ولم أرحلِ |
| هبطتُ هذا العيش في الآخرين |
| وعشتُ فيه عيشةَ الخاملين |
| ولا يوافيني بما ابتغي |
| فأينَ منّي عاصفات المنون |
| أولى بهذا القلبِ أن يَخْفِقا |
| وفي ضِرامِ الحُبِّ أنْ يُحرَقا |
| ما أضْيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي |
| من غير أن أهْوى وأن أعْشَقا |
| يا من يِحارُ الفَهمُ في قُدرَتِك |
| وتطلبُ النفسُ حِمى طاعتك |
| أسْكَرَني الإثم ولكنني |
| صَحَوْتُ بالآمال في رَحمَتِك |
| إن لم أَكُنْ أَخلصتُ في طاعتِك |
| فإنني أطمَعُ في رَحْمَتِك |
| وإنما يَشْفعُ لي أنني |
| قد عِشْتُ لا أُشرِكُ في وَحْدَتِك |
| تُخفي عن الناس سنا طَلعتِك |
| وكل ما في الكونِ من صَنْعَتِك |
| فأنت مَجْلاهُ وأنت الذي |
| ترى بَديعَ الصُنْعِ في آيَتِك |
| إن تُفْصَلُ القَطرةُ من بَحْرِها |
| ففي مَداهُ مُنْتَهى أَمرِها |
| تَقارَبَتْ يا رَبُ ما بيننا |
| مَسافةُ البُعْدِ على قَدرِها |
| يا عالمَ الأسرار عِلمَ اليَقين |
| وكاشِفَ الضُرِّ عن البائسين |
| يا قابل الأعذار عُدْنا إلى |
| ظِلِّكَ فاقْبَلْ تَوبَةَ التائبين |
| حكمكِ يا أقدار عين الضّلال |
| فأطلقيني آدُ نفسيَ العقال |
| إن تُقصري النّعمى علَى جاهلٍ |
| فلست مِن أهل الحِجا والكمَال |
| إذا سقاكَ الدهر كأس العذاب |
| فلا تُبنْ للناس وقعَ المصاب |
| واشرب علَى الأوتارِ . رنّانةٌ |
| مِن قبلِ أن تُحطّمَ كأس الشراب |
| لا بدَّ للعاشق مِن نشوةٍ |
| أو خفّةٍ في الطبعِ أو جنّةٍ |
| والصحو بابَ الحزن فاشرب تكنْ |
| عن حالةِ الأيام في غفلةٍ |
| أنا الَّذي عشتُ صريع العقار |
| في مجلسٍ تحييهِ كأسٌ تُدَار |
| فَعُد عن نصحي . لقد أصبحَت |
| هذى الطلى كلّ المُنى والخيَار |
| أعلمُ مِن أمري الَّذي قَد ظهَر |
| واسْتَشِفّ الباطن المستتر |
| عدمت فهمي أن تكنْ نشوتي |
| وراءها منزلةٌ تُنتَظَرْ |
| طارت بي الخمَر إلى منزلٍ |
| فوق السماك الشاهق الأعزلِ |
| فأصبحَتْ روحي في نجوةٍ |
| مِن طينِ هذا الجسد الأرذلِ |
| سئمتُ يا ربي حياةَ الألم |
| وزاد همّي الفقر لما ألمّ |
| ربي انتشلني مِن وجودي فقد |
| جعلتَ في الدُنيا وجودي عدَم |
| لم يخل قلبي مِن دواعي الهموم |
| أو تَرضَ نفسي عن وجودي الأليم |
| وكم تأدبتَ بأحداثهِ |
| ولم أزل في ليلِ جهلٍ بهيم |
| اللهُ قَد قدّر رزق العباد |
| فلا تؤمّل نيلَ كلّ المراد |
| ولا تُذِق نفسكَ مُرّ الأسى |
| فإنَّما أعمارنا للنفاد |
| إن الَّذي يعرف سرّ القضاء |
| يرى سواء سعده والشقاء |
| العيش فانٍ فلندع أمرهِ |
| أكانَ داءً مسَّنا أم دواء |
| يا طالب الدُنيا وقيتَ العثَار |
| دع أمل الربح وخوف الخسَار |
| واشرب عتيق الخمَر فهي التي |
| تفكَّ عن نفسك قيد الإسار |
| الكأس جسم روحهِ الساريه |
| هذى السلاف المزّةَ الصافيه |
| زجاجها قَد شفَّ حتى غدا |
| ماءً حوى نيرانها الجاريه |
| قَد ردّد الروض غناء الهزار |
| وارتاحت النفس لكأس العقار |
| تبّسم النّور فقم هاتها |
| نثأرُ مِن الأيامِ قبلَ الدمار |
| بي مِن جفاءِ الدهر همٌ طويل |
| ومِن شقاءِ العيش حزنٌ دخيل |
| قلبي كدنّ الخمَر يجري دماً |
| ومقلتي بالدمعِ كأسٌ تسيل |
| وكلّما راقبتُ حال الزمن |
| رأيتهُ يحرمُ أهل الفطن |
| سُبحان ربي . كلّما لاحَ لي |
| نجمٌ طوته ظُلمات المحَن |
| ماذا جنينا مِن متاعِ البقاء ؟ |
| ماذا لقينا في سبيلِ الفناء ؟ |
| هل تُبصر العين دُخان الألى |
| صاروا رماداً في أتونِ القضاء |
| تلكَ القصور الشاهقات البناء |
| منازلُ العزّ ومجلى السناء |
| قَد نعبَ البوم علَى رسمِها |
| يصيحُ : أينَ المجد ، أينَ الثراء |
| هوّن علَى النفس احتمَال الهموم |
| واغنم صفَا العيش الَّذي لا يَدوم |
| راحوا لما جاءكَ دور النعيم |
| وإنَّما الدهرُ مُذيق الكروب |
| نعيمهُ رهنٌ بكفّ الخطوب |
| ولو درى الهمّ الَّذي لم يجىء |
| دنيا الأسى لاختار دار الغيوب |
| صبَّتْ علينا وابلات البلاء |
| كأنّنا أعداء هذا القضاء |
| بينا تَرى الإبريق والكأس قَد |
| تَبادلا التقبيل حوَل الدماء |
| تفتّح النوَّار صبّ المدام |
| واخلَع ثياب الزهد بين الأنام |
| وهاتها مِن قبلِ سطو الردى |
| في مجلسٍ ضمّ الطلى والغرام |
| حَار الورى ما بين كفرٍ ودين |
| وأمعنوا في الشكِ أو في اليقين |
| وسوف يدعوهم مُنادي الردى |
| يقولُ ليسَ الحق ما تسلكون |
| نَصبتَ في الدُنيا شرِاك الهوى |
| وقلت أجزي كلّ قلبٍ غوى |
| أتنصب الفخَ لصيدي وإن |
| وقعتُ فيه قلتَ غاصٍ هوى |
| أنا الَّذي أبدعت مِن قدرتك |
| فعشتُ أرعى في حمى نعمتك |
| دعني إلى الآثام حتى أرى |
| كيفَ يذوب الإثمُ في رحمتك |
| إن تُفصل القطرةُ في بحرها |
| ففي مداهُ منتهى أمرها |
| تقاربتْ يا ربْ ما بيننا |
| مسافةَ البُعد علَى قدرها |
| وإنَّما الدُنيا خيالٍ يزول |
| وأمرنا فيها حديثٌ يطول |
| مشرقها بحرٌ بعيد المدى |
| وفي مداهُ سيكون الأفول |
| جهلتِ يا نفسي سرّ الوجود |
| وغبتِ في غورِ القضاء البعيد |
| فصوَّري مِن نشوتي جنّةً |
| فربما أُحرمَ دار الخلود |
| يا ورد أشبَهتَ خدود الحسان |
| ويا طلى حاكيتَ ذوب الجمان |
| وأنتَ يا حظَّي تَنكَّرْتَ لي |
| وكُنتَ مِن قبلِ الأخَ المستعان |
| أولى بكَ العشق وحسو الشراب |
| وحَنَّةُ النّاي ونوح الرباب |
| فأطلق النفس ولا تتصل |
| بزخرُف الدُنيا الوشيك الذهاب |
| لا تَشغل البَال بأمر القدر |
| واسمع حديثي يا قصير النظر |
| تنحْ واجلس قانعاً وادعاً |
| وانظر إلى لعبِ القضاء بالبشر |
| يا قلب إن ألقيتَ ثوب العناء |
| غدوتَ روحاً طاهراً في السماء |
| مقامك العرش ترى حطَّة |
| أنكَ في الأرضِ أطلتَ البقاء |
| إن الَّذي يَذبل زهر الربيع |
| ينثر أوراقَ وجودي الجميع |
| والهمُّ مثل السمَّ ترياقهُ |
| في الخمَرِ فاشرب قدَر ما تستطيع |
| زجاجةُ الخمَر ونصف الرغيف |
| وما حوى ديوان شعرٍ طريف |
| أحبُّ لي أن كُنتَ لي مُؤنساً |
| في بلقعٍ مِن كلّ مُلكٍ منيف |
| أتَسمع الديكَ أطاَل الصياح |
| وقَد بدا في الأفقِ نور الصباح |
| ما صاحَ إلاّ نادباً ليلةً |
| ولَّتْ مِن العمرِ السريع الرواَح |
| علامَ تشقى في سبيلِ الألم |
| ما دمتَ تدري أنكَ ابن العدم |
| الدهرُ لا تجري مقاديرهُ |
| بأمرنا فارضْ بما قَد حكَم |
| تحملُ الداء كبير الرجاء |
| أنكَ يوماً ستنال الشفاء |
| واشكر علَى الفقر الَّذي إن يَرد |
| أصبحَت موفور الغِنى والثراء |
| ليتك يا ربي تُبيد الوجود |
| وتَخلق الأكوان خَلقاً جديد |
| فتُغفلَ اسمي أو تزيد الَّذي |
| قدّرتَ لي في الرزقِ بين العبيد |
| وصلتني بالنفس منذُ القدم |
| فكيفَ تفري شملَنا الملتئم |
| وكُنتَ ترعاني فماذا دعا |
| إلى اطراحي للأسى والألم |
| هات الطلى فالنفس عما قليل |
| توشكُ مِن فرطِ الأسى أن تسيل |
| عساي أنسى الهمَّ في نشوتي |
| مِن بعدِ رشفي كأسها السلسبيل |
| يا ساقي الخمَر أفق هاتها |
| ثمَّ اسقني سائلَ ياقوتها |
| فإنَّها تبعثُ مِن روحها |
| نفسي وتحيي ميّتَ لذّاتها |
| صبَّ مِن الإبريقِ صافي الدماء |
| واشرب وهات الكأس ذات النقاء |
| فليسَ بين الناس مَن ينطوي |
| علَى الَّذي في صدرها مِن صفَاء |
| أينَ طهور النفس عفُّ اليمين |
| وكيفَ كانت عيشةَ الصالحين |
| إن كُنتَ لا تَغفر ذنبي فما |
| فضلُكَ يا ربي علَى العالمين |
| ابدعتَ فينا بيَّنات العِبَر |
| وصغتنا يا ربْ شتّى الصور |
| فهل أطيق اليوم محوَ الَّذي |
| تركتهُ في خلقتي مِن أثر |
| طبائعُ الأنفس ركّبتها |
| فكيفَ تجزي أنفساً صغتها |
| وكيفَ تُفني كاملاً أو ترى |
| نقصاً بنفسٍ أنتَ صوّرتها |
| تُخفي عن الناس سنَا طلعتك |
| وكلُّ مافي الكون مِن صنعتك |
| فأنتَ مجلاهُ وأنتَ الَّذي |
| تَرى بديع الصُنع في آيتك |
| يا ربْ مهّد لي سبيلَ الرشاد |
| واكتب لي الراحةَ بعدَ الجهاد |
| وأحييِ في نفسي المُنى مثلما |
| يحيىَ موات الأرض صوب العهاد |
| لن يرجعَ المقدار فيما حكَم |
| وحملكَ الهمّ يُزيد الألم |
| ولو حزنتَ العمر لن يَنمَحي |
| ما خطّهُ في اللوحِ مُرّ القلم |
| ولىَّ الدجى قم هات كأسَ الشراب |
| كأنَّما الياقوت فيها مُذاب |
| واحرق مِن العودِ بخوراً وخذ |
| مِن غصنهِ المعطار واصنع رباب |
| الخمَرُ توليكَ نعيم الخلود |
| ولذّة الدُنيا وأُنس الوجود |
| تُحرقُ مثل النار لكنّها |
| تجعلُ نار الحزن ماءً بروَد |
| عيشي مِن أجلِ الطلى مستحيل |
| فإنَّها تشفي فؤادي العليل |
| ما أعذب الساقي إذا قالَ لي |
| تناول الكأس ورأسي يميل |
| أولى بهذا القلب أن يخفقا |
| وفي ضرامِ الحبّ أن يُحرَقا |
| ما أضيعَ اليوم الَّذي مَرّ بي |
| مِن غيرِ أن أهوى وأن أعشقا |
| سارع إلى الّلذات قبل المنون |
| فالعمر يطويهِ مرور السنين |
| ولَستُ كالأشجار إن قُلّمتْ |
| فروعها عادت رطاب الغصون |
| إنَّ الألى ذاقوا حياةَ الرغد |
| وأنجزَ الدهرُ لهم ما وعَد |
| قَد عصفَ الموت بهم فانطووا |
| واحتِضِنوا تحتَ تراب الأبد |
| نفسي خلت مِن أُنسِ تلكَ الصحاب |
| لما غدوا ثاوينَ تحتَ التراب |
| في مجلس العمر شربنا الطلى |
| فلم يفق منّا صَريعُ الشراب |
| ولَستُ مهما عشت أخشى العدَم |
| وإنَّما أخشى حياةَ الألم |
| حقوقهِ استرداد هذا النسَم |
| قالوا امتنع عن شربِ بنت الكروم |
| فإنّها تورث نار الجحيم |
| ولذّتي في شربِها ساعةٍ |
| تعدلُ في عينيّ جِنان النعيم |
| إن دارتْ الكأس ولذَّ الشراب |
| فكنْ رضيّ النفس بين الصحاب |
| واشرب فما يجدُ بكَ هجَر الطلى |
| إن كانَ مقدوراً عليكَ العذاب |
| شيئان في الدُنيا هما أفضلُ |
| في كلّ ما تنوي وما تعملُ |
| لا تتّخذ كلَّ الورى صاحباً |
| ولا تنل مِن ما يؤكلُ |
| لو كانَ لي قدرةَ ربٌ مجيد |
| خَلَقتَ هذا الكون خَلقاً جديد |
| يكون فيهِ غير دُنيا الأسى |
| دُنيا يعيشُ الحر فيها سعيد |
| إذا بلغتَ المجد قالوا زنيم |
| وإن لزمتَ الدار قالوا لئيم |
| فجانب الناس ولا تلتمس |
| معرفةً تُورث حَمل الهموم |
| خيرٌ لي العشق وكأس المدام |
| مِن ادعاءِ الزهد والاحتشام |
| لو كانت النار لمثلي خلَت |
| جنّات عدن مِن جميعِ الأنام |
| عبدكَ عاصٍ أينَ مِنكَ الرضاء |
| وقلبهُ داجٍ فأينَ الضياء |
| إن كانت الجنّةُ مقصورةً |
| علَى المطيعين فأينَ العطاء |
| أهل الحِجا والفضل هذى العقول |
| قَد حاولوا فهَم القضاء الجليل |
| فحدّثونا بعض أوهامهم |
| ثم احتواهم ليلُ نومٍ طويل |
| يا عالم الأسرار علمَ اليقينْ |
| يا كاشف الضّرَ عن البائسينْ |
| يا قابل الأعذار فئنا إلى |
| ظلّك فأقبل توبةَ التائبينْ |