أورهان باموك تخلى عن الهندسة من أجل الكلمات ليقطف نوبل

اورهان باموك

لا أحد رسم ملامح النوبلي الجديد

كرم نعمة - لندن

لا أحد بعد استطاع رسم ملامح ذاك الروائي التركي الذي غادر الهندسة المعمارية الى الكلمات، أو (فن الخيبة) حسب رولاند بارت، لحظة تلقيه نبأ انضمامه الى عظماء نوبل أمس الاول. على الاقل ماذا قال لابنته الوحيدة في شقتهما بعد أن نزل عليه الخبر أشهى من عصير رمان منعش، هو الذي واجه الصدمات تلو الصدمات بثقة الذي لايغادر مكانه، منذ أن وقف بجرأة ضد فتوى الموت التي اصدرها الخميني على الروائي سلمان رشدي، وحتى جرأته بانتقاد أتاتورك (المقدس في بلاده)!

لهذا السبب لم تترجم أعماله الى الفارسية، كما يقول (لقد حدثني ايراني متزوج من سيدة تركية ان رواياته على منضدة أعلى رقيب في الحكومة الايرانية وهي ممنوعة اسوة بروائيين أموات) وحدها صحيفة سفينسكا داجبلات السويدية نقلت عنه كلاماً اشبه بتحصيل حاصل يعبر فيه عن سعادته بنيل جائزة نوبل، محاولاً (التعافي من هذه الصدمة) يعني صدمة الحصول على أكثر من مليون دولار!!!

أورهان باموك سيحضر حفل توزيع الجوائز، على عكس الشيخ النوبلي الرائع والمخلص لقناعاته هارولد بينتر العام الماضي، الذي فضل ارسال كلمة متلفزة فضح فيها العمق الآسن لعالم يجمع الحرب والحرية في موقع واحد كما يحدث الان في العراق. باموك لم يغادراسطنبوله، الا نادراً، هو البرجوازي، الذي عاش حياته مع ام مطلقة ، درس في مدرسة علمانية امريكية في مدينته وانطلق الى الجامعة ، بعد ثلاثة اعوام من دراسة الهندسة المعمارية كانت الاحلام تسيطر عليه بأن يصبح ممثلا، دار قوس أتجاه حياته باصرار صوب الكلمات، الكلمات وحدها، ومن شقته الاسطنبولية كتب رواياته.

الاكاديمية السويدية  في اعلانها، كما جرت العادة كل عام، انتقت نصها باستعارة ايحائية لفائز يستحق الجائزة بقناعة النقاد على الاقل لانه متسق مع ذاته، قالت عن الروائي التركي في بحثه عن روح مدينته الحزينة اكتشف باموك رموزاً جديدة لتصادم وتضافر الحضارات. وأضافت الاكاديمية ان اروع اعماله هي كتابه الثالث (القلعة البيضاء) وهي قصة تاريخية تدور حول العلاقة بين عبد من مدينة البندقية والسيد الشاب الذي اشتراه والتشوش التدريجي لهويتيهما. مؤكدة ان باموك في كتاباته غالبا ما يتعامل مع فكرة الذات والثنائيات وهو ما ظهر في في عمل اخر وهو (الكتاب الاسود) وفيه تفتش الشخصية الرئيسية اسطنبول بحثا عن زوجته واخيها نصف الشقيق الذي سوف يتبادل هويته معه في وقت لاحق. ويركز باموك الذي كانت افضل رواياته مبيعا هي (اسمي أحمر) و(ثلج) في عمله على الصدام بين الماضي والحاضر والشرق والغرب والعلمانية والاسلام وهي مشاكل على قدر كبير من الاهمية في مسيرة تركيا نحو التطور. 

عائلة تشبه رواياته

ولدَ أورهان باموك عام 1952 وكَبرَ في عائلة مشابهة لتلك التي يَصِفُها في رواية (جودت بك واولاده) أو(الكتاب الأسود) في أحدى الضواحي الارستفراطية العتيقة من اسطنبول. منذ طفولتِه حتى عُمرِ 22  عاماً كرّسَ حياته بشكل كبير لصِباغَة حُلِمَ أن يُصبحُ فناناً. بعد التَخَرُّج مِنْ المدرسة الامريكية في إسطنبول، دَرسَ الهندسة المعماريةَ في جامعةِ إسطنبول لثلاث سَنَواتِ، لكنه فضل التَخلّى عن طموحَه أَنْ يُصبحَ مهندساً معمارياً. ليكمل دراسته في الصحافةِ مِنْ الجامعةِ نفسها.

عمل باموك في الصحافة منذ أن كان عمره 23 عاماً، بعدها اتخذ القرار الذي اوصله الى مجد نوبل عندما تخلى عن كل شئ من أجل الكلمات، فصار مكانه المفضل شقته حيث يبدا العمل منذ العاشرة صباحاً وحتى السابعة مساء كل يوم. وكما توقع يوناس اكلسون الناشر لدى دار بونييه، احدى ابرز دور النشر في السويد، ان الشيء الوحيد الواضح جدا هو ان ادب الشهادة الواقعية يلاقي نجاحا كبيرا. لكن بالنسبة اليه فان الشاعر السوري ادونيس والتركي اورهان باموك هما من الاوفر حظا ايضا معبرا ايضا عن رغبته في ان ينال الياباني هاروكي موراكامي الجائزة. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية قبل يوم من اعلان الجائزة غالبا ما نعتقد ان الكتاب القادمين من مختلف المناطق التي تشهد حروبا يمكن ان ينالوا الجائزة مشيرا الى ان الاسرائيلي عاموس عوز يبدو هذه السنة مناسباً جداً. ويقول هذا الناشر ان منح الجائزة للمجري ايمري كيرتيس عام 2002 ثم للجنوب افريقي جي.ام. كويتزي عام 2003 يكشف اهتمام الاكاديمية وخصوصا سكرتيرها الدائم هوراس انغدال بهذا النوع من الادب الذي يشهد على الواقع. لكن الجائزة توجهت أخيرا للكاتب الذي أجبر على كبح الذكريات ليظل ثمة ما يطفو منها.

صدرت روايه أورهان باموك الاولي (جودت بك واولاده) عام 1982 تلتها عام 1985 روايته التاريخية (القلعة البيضاء) ثم (الكتاب اسود) وهي الرواية الاكثر رواجا له في تركيا يصف فيها رجلا يبحث بلا هوادة عن زوجته طوال اسبوع في اسطنبول المكسوة بالثلج والوحول.

ومن رواياته (اسمي احمر) التي تتضمن تأملا مرهفا في المواجهة بين الغرب والشرق داخل الامبراطورية العثمانية في نهاية القرن السادس عشر وقد ترجمت هذه الرواية الى الفرنسية وصدرت مثل سائر رواياته الاخرى في فرنسا عن دار غاليمار وحصلت على جائزة افضل كتاب اجنبي في فرنسا عام 2001.

واصدر اورهان مؤلفات اخرى مثل (منزل الصمت 1983) و(الحياة الجديدة 1994) التي باعت 200 الف نسخة في بلده، وروايته (ثلج 2002) تتناول التعصب الديني في المجتمع التركي . أما كتاب الأحدث (إسطنبول) فهو عمل شاعري  يصعب تصنيفه يَدْمجُ مذكراتَ المُؤلفَ المبكّرةَ حتى عُمرِ 22 عاما، مع كتابات استطلاعية حول مدينةِ إسطنبول، وصور مِنْ ألبومِه الخاصِ، ثم لوحات للمستشرقين والمصورين الأتراكِ.

باموك مخلص لمدينته

باستثناء ثلاث سَنَواتِ عاشها في نيويورك، قضى أورهان باموك كُلّ حياته في الشوارعِ نفسها التي ولد فيها وشقته التي يكتب فيها منذ ثلاثين عاما جعلت رواياته تترجم الى أربعين لغة. يساله المحرر الادبي في صحيفة الغارديان أن كانت تزعجه أو تغريه المقارنة أو التأثر الى حد ما ببورخيس؟

يبتسم التركي ذو القامة الفارعة وكأنه أحد اعمدة اسطنبول الرومانية (بالطبع، في وقتٍ ما يُنزعجُ أيّ كاتب عندما  َيُقَارنُ بكاتبِ آخرِ ، لكن هناك بَعْض الحقائق في المقارناتِ لاتصل الى حد التماهي).

يَقُول أورهان باموك ُ بأنّه كَانَ المدافعَ الأولَ عن رواية (آيات شيطانيةِ) لسلمان رشدي في بلد أسلامي، لكنه يَعترفُ بأنّ قضيةَ سلمان رشدي رُبَما أَثّرتْ على ايقاظ دوافع اجتماعية في البلدان الاسلامية. ( ثمة العديد غير رشدي في أجزاء من العالمِ، هناك من يعيش التهديد نفسه الذي يلاقيه رشدي في بعض الولايات التركية ، أنها إحدى أكبر المنتهكين لحريةِ التعبير، كما في نايجيريا أَو الصين).

يعترف باموك بأن القيود السياسية على الرواية بسيطة في بلاده، ولايمكن أن تصل كما كانت في الاتحاد السوفيتي مثلاً، فالروائي لا يستطيعُ إنتِقاد الجيشِ التركيِ أَو أتاتورك، أو أن يتناول حياة المعتقليين السياسيين بشكل واضح. إنّ الحياةَ الجديدةَ في تركيا نوع من الرواية عند أورهان باموك كما هو الحال مع بطل أحدى رواياته الذي يصطحب محبوبَته (جنان) عبرالاقاليم التركية لنكتشف أن باعةَ اللبنِ ينافسون أكشاكِ باعة الكوكا كولا!

واجه الروائي التركي الذي نال جائزة السلام قبل جائزة نوبل التي يقدمها اتحاد الناشرين الالمان كل سنة، غضب القوميين الاتراك لدفاعه عن القضيتين الارمنية والكردية في بلاده. وقال الكاتب المولود في عائلة بورجوازية مؤيدة للثقافة الفرنسية، حين نحاول كبح الذكريات، ثمة على الدوم ظل منها يعود ويطفو، انني ذاك الظل الذي يعود.

لم يغادر الكاتب فعليا الحي الذي امضي فيه طفولته في قلب اسطنبول القديمة الا للقيام برحلتين طويلتين الي الولايات المتحدة. واعتبر اتحاد الناشرين الالمان الذي يكرم كل سنة كاتباً من العالم ملتزما بالسلام انه من خلال اورهان باموك، تكرم الجائزة كاتبا يقتفي اكثر من أي شاعر معاصر اخر آثار الغرب التاريخية في الشرق واثار الشرق التاريخية في الغرب. ولم يوارب اورخان باموك اطلاقاً في مقابلة اجرتها معه صحيفة تاغزانتسايغر السويسرية في شباط (فبراير) 2005 وقال بوضوح قتل ثلاثون الف كردي ومليون ارمني في تركيا. لا احد تقريبا يجرؤ على التحدث عن الامر باستثنائي انا، والقوميون يكرهونني من اجل ذلك.

ورد مسؤول في الشرطة علي هذا التصريح باصدار امر بمصادرة كتبه واتلافها.

وعلق فاروق سن مدير مركز الابحاث التركية في ايسن (المانيا) لدى اعلان فوز باموك بجائزة السلام في 22 حزيران(يونيو) الماضي يمكن ان يكون هناك اختلاف في وجهات النظر، لكن الجميع في تركيا يقرأون رواياته. واعتبر انها جائزة حساسة ستكون لها اصداء قوية. 

دعوة الى الحرية والانفتاح 

باموك من كبار الداعين الي انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي.

وقال انه بالرغم من كل الانتقادات الموجة لتركيا، فانني اؤيد انضماما تاما الى الاتحاد الاوروبي.

وسبق لاورهان باموك أن دافع في موسكو عن حرية التعبير في تركيا حول ملف الابادة التي ارتكبت بحق الارمن في عهد الامبراطورية العثمانية، داعيا بلاده الى مزيد من الحرية والانفتاح. وقال الروائي خلال مؤتمر صحافي: علينا نحن الاتراك ان نكون قادرين على التحدث في كل ما حصل للارمن في عهد الامبراطورية العثمانية، انها مشكلة تركية بالمقام الاول اكثر من كونها مشكلة دولية، انها مشكلة تتعلق بحرية التعبير والديموقراطية والمجتمع الليبرالي. واضاف باموك الذي زار روسيا للمرة الاولى للترويج لكتابه الاخير (اسطنبول، الذكريات والمدينة) الصادر اخيرا بترجمة روسية آمل ان تصبح بلادي اكثر حرية وانفتاحا لتتمكن من التحدث بدون خوف عن هذا الملف.
وكان الاديب الحائز جائزة ميديسيس الادبية الفرنسية للاجانب عام 2005 عن كتابه (ثلج) والعديد من الجوائز الدولية الاخرى معرضا لعقوبة السجن لمدة تتراوح بين ستة اشهر وثلاث سنوات بتهمة اهانة الامة التركية.
وباشر القضاء التركي ملاحقات بحقه بسبب تصريحات ادلى بها حول مجازر الارمن، غير انه عاد وتخلى عنها فيما بعد. وقرر القضاء التركي عدم محاكمة باموك على تصريحاته بشان المذابح التي تعرض لها الارمن في عهد الامبراطورية العثمانية، متراجعا بذلك عن محاكمة كان يمكن ان تسبب احراجا للحكومة وتنسف تطلعات تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. ورحبت بروكسل على الفور بهذا القرار. وقررت المحكمة الجنائية في اسطنبول المكلفة محاكمة باموك عدم ملاحقته في غياب اذن صريح من وزارة العدل اعتبرته ضروريا.  واعتبرت وزارة العدل في رسالة وجهتها الى المحكمة ان الامر يعود اليها في ان تقرر ما اذا كانت تريد محاكمة المتهم معتبرة بذلك عدم وجود داع لمحاكمة باموك.  واعتبر المفوض الاوروبي لتوسيع الاتحاد اولي ريهن ان المحاكمة ستكون بمثابة الاختبار لتركيا. وهدد النواب الاوروبيون الذين حضروا في اسطنبول اول جلسة من هذه المحاكمة بوقف المفاوضات بشان انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. واتسمت الجلسة الاولى بالصخب وتعرض خلالها الاديب الى السب من طرف متظاهرين من
اليمين المتطرف وصلوا حتى باب قاعة المحكمة واتهموه بخيانة الامة التركية. وكان الاعلان عن ملاحقة الكاتب جاء اثر شكوى رفعتها مجموعة من المحامين القوميين امام محكمة اسطنبول.