يوم العيد

للأستاذ مصطفى لطفى المنفلوطى فى كتابه " النظرات : الجزء الثالث

أفضل ما سمعت فى باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة وقفت ليله عيد من الأعياد بحانوت ألعاب فى باريس يطرقه الناس فى تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار، فوقع نظرها على لعبة صغيرة من المرمر هى آيه الآيات فى حسنه وجماله، فابتهجت بمرآها ابتهاجاً عظيماً، لا لأنها بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال الصغار، بل لأنها كانت تنظر إليها بعين ولدها الصغير الذى تركته فى منزلها ينتظر عودتها إليه بلُعبة العيد كما وعدته، فأخذت تساوم صاحب الحانوت فيها ساعة والرجل يغالى به مغالاة شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنها، وأنها لا تستطيع العودة بدونها، فساقتها الضرورة التى لا يقدرها إلاّ من حمل بين جنبيه قلباً كقلب الأم، وفؤاداً مستطاراً كفؤادها، إلى أن تمدّ يدها خفية إلى اللعبة فتسرقها من حيث تظن أن الرجل لا يراها، ولا يشعر بمكانها ثم رجعت أدراجها وقلبها يخفق فى آن واحد خفقتين مختلفتين، خفقه الخوف من عاقبة فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التى ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها، وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحدّة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته فما برحت مكانها حتى تبعها يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وذهب إلى مخفر الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها، وصعدوا جميعاً إلى الغرفة التى تسكنها ففاجأها وهى جالسة بي يدى ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بلعبته نظرات الغبطة والسرور فهجم الجنديان على الأم فاعتقلاها، وهجم الرجل على الولد فانتزع اللعبة من يده، فصرخ الولد صرخة عظمى لا على اللعبة الذى انتزعه منه، بل على أمه المرتعدة بين يديه وكانت أول كلمة نطق بها وهو جاث بين يدى الرجل: رحماك بأمى يا مولاى، وظل يبكى بكاءً شديداً، فجمد الرجل أمام هذا المنظر المؤثر، وأطرق إطراقاً طويلاً، وإنه لكذلك إذ دقت الأجراس مؤذنة بإشراق فجر العيد فانتفض انتفاضة شديدة وصعب عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة المسكينة حزينة منكوبة فى اليوم الذى فرح فيه الناس جميعاً، فالتفت إلى الجنديين وقال لهما: أظن أنى أخطأت فى آتهام هذه المرأة فإنى لا أبيع هذا النوع من الألعاب، فانصرفا لشأنهما ، والتفت هو إلى الولد واستغفره ذنَبه إليه وإلى أمّه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر إليها عن خشونته وشدّته، فشكرت له فضله ومروءته، وجبينها يرفضّ عرقاً حياء من فعلتها، ولم يفارقها حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد وأهنأ مما كانا يظنان.
ليله العيد هناك السعداء الذين أعدّوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل. ولأولادهم اللعب، ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب ثم ناموا ليلتهم نوماً هادئاً مطمئناً تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وهناك الذين يبيتون ليلتهم على مثل الجمر الغضا يئنُّون فى فراشهم أنيناً يتصّدع له القلب ويذوب له الصخر حزناً على ألأولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم وبأعينهم ماذا أعدّوا لهم فى هذا اليوم من ثياب يفاخرون بها أندادهم، ولّعب جميلة يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها. فهل لأولئك السعداء أن يمدّوا إلى هؤلاء الأشقياء يَدَ البرَّ والمعروف، ويفيضوا عليهم فى ذلك اليوم النزرَ القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا لأنفسهم فى باب المروءة والإحسان ما سُجل لصاحب حانوت الألعاب .
إن رجلاً يؤمن بالله ورسله، وآياته وكتبه، ويحمل بين جنبيه قلباً يخفق بالرحمة والحنان، لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء، ولا قلبه من الخفقان عندما يرى العيد، فى طريقه إلى معبده، أو إلى منصرفة من زياراته، طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلاً من أترابها وصواحبها أن تقع أنظارهن على بؤسها وفقرها، ورثاثة ثوبها ، وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهنّ، فلا يجد بداً من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنوّ عليها، وعلى بؤسها ومتربتها، لأنه يعلم أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازى ذرّة واحدة من السعادة التى يشعر بها فى أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة فى عينيها.
حَسْبُ البؤساء من مِحَن الدهر وأرزائه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم فى سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم، فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة فى كل مرة أو مرتين .