الشهيدتان

للأستاذ مصطفى لطفى المنفلوطى

لم تغمض عيناى ليلة أمس، لأننى بت أسمع فى الدار اللاصقة لبيتى أنين امرأة متوجعة تعالج هماً ثقيلاً، وتشكو مرضاً أليماً، وكان يخيل إلىَّ أنى لا أسمع بجانبها معللاً يعللها ولا جليساً يتوجع ها، فلما أصبح الصبح ذهبت إليها، فإذا قاعة صغيرة مظلمة تكاد لا تشتمل على أكثر من سرير بال يتراءى فوقه شبح ماثل من أشباح الموتى، فترفقت فى مشيتى حتى دونت منها، وكأنها شعرت بمكانى، فحركت شفتيها تطب جرعة ماء، فأسعفته بها فاستفاقت قليلاً، ثم تقدمت نحوها أسائلها عن خطبها، فأنشأت تقص على قصتها بصوت خافت متقطع كنت أكاد أنتزعه منها انتزاعاً وتقول:
"زوجنى أبى منذ سبع سنين من رجل مزواج مطلاق لا يكاد يصبر على امرأة واحدة عاماً واحداً، ولو كان لفتاة أن تستبد بأمرها من دون أوليائها ـ لأحسنت الاختيار لنفسى، بل لو لم يكن فى الأمر إلاّ أن أتبتل أو أصير إلى هذا المصير، لكان لى فى الرهبانية رأى غير ما يراه فيها النساء، ولكننى عجزت، فأذعنت وزففت إليه فاستقبلنى بأحسن ما يستقبل به الزوج الكريم أحظى نسائه عنده وأكملهن عليه، فكان يربنى من ذلك ما يريب الفريسة من ابتسامة الأسد، وكنت انتظر يوم الفراق كما ينتظر القاتل يوم القصاص، فما أفقت من صرعة النفاس حتى علمت أنه خطب، فتزوج فبنى، وأنى أصبحت فى المنزل وحيدة لا مؤنس لى إلاّ طفلتى، فجزعت عند الصدمة الأولى، ثم نزلت على حكم القضاء الذى لا أملك رده، وأعرف وجه الحيلة فيه، واحتملت طفلتى إلى بيت أبى، فوجدته مريضاً مشرفاً، فبكى رحمة بى واستغفرنى من ذنبه إلىَّ فغفرته له، وما هى إلاّ أيام قلائل، حتى مضى لسبيله مفجوعاً برزئى ورزئه فعلمت أن الدهر قد سجل فى جريدة الشقاء أياماً طوالاً لا أعلم متى يكون انقضاؤها، ولا أدرى ما الله صانع فيها، فظللت استكتب الناس الكتب إلى ذلك الرجل، أسأله القوت فأستعين به على تربية طفلته، أو التسريح عسى أن يبدلنى الله خيراً منه زكاة وأقرب رُحْماً، فضن بالأولى، واستعظم الأخرى، فلم أرَ لى سبيلاً غير سبيل العمل، فلبثت بضع سنين ساهرة الليل قائمة النهار أستقطر الرزق من سم الخياط، فلا أكاد أبغ منه الكفاف حتى بلغ منى الجهد، فدهيت بمعضلة من الأدواء خرجت لها عن كل ما أملك من حيلة وذخيرة وكسوة وآنية، وأصبحت لا أملك درهماً ابتاع به قارورة الدواء، أو أجد مزقة أمسك بها قوائم السرير المضطرب، وما قنع الدهر منى بذلك حتى رمانى بالابتلاء التى يصغر فى جانبه كل عظيم من خطوبة ونكباته، فقد كتبتُ إلى ولد الفتاة منذ شهر أصف له حالتى، وأفضى إليه بذات نفسى، وأسأله أن يمدنى وابنتى بقليل من القوت نُمسك به تلك الصبابة "البقية القليلة من الماء ونحوه من الطعام والمال" التى أبقتها خطوب الأيام ورزاياها من أعظمنا وجلودنا، ولبثت أترقب رجع الكتاب كما يترقب الغريق سواد السفينة، وقد جلست طفلتى بين يدى أتطلع إلى وجهها الساطع فى ظلمات تلك الخطوب كما يتطلع الملاح فى ظلماه إلى نجمة القطب، إذ هجم على ذلك الظالم الجبار، فاختطف ابنتى من بين يدى من حيث لا أملك دفعاً لما نابنى، ولا أجد ما أذود به عن نفسى إلاّ زفرات لا يسمعها سامع، وعبرات لا يرحمها راحم، فشعرت كأن أسهم الدهر التى تروغ هنا وههنا قد أصابت فى هذه المرة المقتل، فبت ليلتى تلك كما يجب أن تبيت امرأة بائسة معدمة فجعها الدهر فى نفسها بعد أن فجعها فى زوجها وأبيها وولدها، فأصبحت لا تجد أمامها يداً تنبسط إليها ولا عيناً تبكى عليها، وقد مر بى بعد ذلك نيف وعشرون ليلة لا يتوقف لى دمع، ولا يهدأ بى مضجع، حتى إذا اختلست من يد الظلمة نعسة تراءت لى الفتاة كأنها فى فراشها مريضة تهتف باسمى، وكأن أباها يوسعها ضرباً وتعذيباً، وكأننى أحاول أن استنقذها فلا أجد إليها سبيلاً، وها أنا ذا أشعر أن سحابة الموت السوداء تغشى على بصرى، وأننى مفارقة هذا العالم قبل أن أنظر إلى فتاتى نظرة أتزودها فى سفرى إلى تلك الدار " .
وما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى بلعت ريقها بصعوبة، وحشرجت أنفاسها، وشطر بصرها، فجثوت عند سريرها أدعو لها الله أن يعينها على ويمدها برحمته وإحسانه، فإنى لكذلك وقد استغرقت فى هذا المشهد الذى بين يدى استغراق العابد فى هيكله، إذا رأيت فى خلال الدموع التى تزدحم فى عينى شبحاً منتصباً عند باب الغرفة، فتأملته فإذا رجل يحمل بين يديه فتاة صغيرة، فتقدمت إليه ، فرأيته خاشعاً مستكيناً ينظر إلى تلك التى يحملها نظرات الوجد والرحمة، ورأيت الفتاة كأنها خرقة بالية ملقاة لا يتحرك لها عضو، ولا ينبض منها عرق، فقلت: " من أنت، وماذا تريد ؟ "
قال: أنا زوج هذه المرأة ووالد هذه الفتاة، قلت " لعلك جئت تستغفر هذه البائسة المسكينة من ذنبك إليها فى التفريق بينها وبين ابنتها، قال: يا سيدى ما زالت الفتاة منذ فارقت أمها تبكى عليها بكاءً مرا، وتهتف باسمها، فى يقظتها ونومها، حتى سقطت مريضة لا ينفعها طب، ولا ينجح فيها دواء، فلما رأيت أنها وصلت إلى هذه الحالة التى تراها جئت بها إلى أمها أرجو أن تجد بين ذراعيها شفا من دائها، قلت: ذلك موكول إلى القضاء، ولا يعلم الغيب إلاّ الله، ثم تقدمت نحو الفتاة، فرأيتها تجود بنفسها، فاحتملتها برفق حتى وضعتها بين ذراعى أمها، فما هو إلاّ أن هتفت الفتاة بأمها، والأم بفتاتها حتى فاضت نفساهما معاً، كأنما كانتا من الموت على ميعاد.
والآن وقد عدت من دفن الشهيدتين، وجلست لكتابة هذه السطور، أشعر أنى لا أكاد أمسك قلمى من الاضطراب، ولا مدمعى عن الانفجار لا حزناً على تلك البائسة المسكينة وطفلتها، بل حزناً على جميع البائسات من النساء اللواتى يقتلهن الرجل كل يوم صبراً من حيث لا يجد راحماً يأخذ بأيدهن، ولا ثأئراً يثار لهن .